علي محسن |  محرر

إن المنهج السائد في مؤسسات العلم من مراكز البحوث والمدارس وخاصة الجامعات حول العالم وكذلك هنا، في الجامعة الأمريكية في بيروت، هو المنهج العلمي أو كما يسمى ب”المنهج التجريبي”. وقد أمسى هذا المنهج القلب النابض للمؤسسات العلمية ومحركات التقدم العلمي، وهو أمر ليس مستغربا باعتبار التضخم العلمي الكبير الذي شهده العالم في القرون الثلاثة الماضية. نتيجة لذلك، أصبح هذا المنهج مسلكًا قد تشربته عقول الطلاب يسلكونه في حياتهم اليومية. وهذا محل تفكّر، فلا بد للطلاب في الجامعة، أن يكون لهم نظر واطلاع على المسلك الذي يتخذونه، إذ إنّه أساس في بناء الباقة الفكرية للفرد، التي تتمثل بمجموعة الأفكار والمناهج والمبادئ المعرفية التي يتبناها الإنسان. أقول أنه لا بد من التمييز بين النجاح الباهر للمنهج العلمي واتخاذه معتقدًا فكريًا لا يصل الإنسان إلى الحقيقة إلا به.

إنّ المنهج العلمي هو مجموعة منظمة من الطرق والتقنيات التي يتبعها الباحث لتفسير الظواهر، وتتكون هذه التقنيات من الفرضية والتجربة والملاحظة وغيرها. وترسم الأخيرةُ الحدودَ المنهجية التي يقف عليها الباحث، ونتيجة لهذا، يلزم أن يكون بحثه موضوعيا، ودقيقا باعتبار المعطيات المتوافرة له، ومعتمدا على أسس المنهج العلمي فقط. ولهذا كان المنهج العلمي المحرك الذي لا غنى عنه في البحث. فنجده في كيمياء جابر بن حيان، وفي بصريات الحسن بن الهيثم قديما، وحديثا نجده في كل المؤسسات العلمية والمدارس والجامعات. 

لعب هذا المنهج دورًا فعالًا في تطوير شتى العلوم، من الطب إلى الفيزياء والصناعة وغيرها مما بحث فيها الإنسان عبر الزمن. فكان المنهج العلمي محررًا للمعرفة من سجون الخرافة والتفاسير الاعتباطية التي لا حجة لها ولا برهان. وقد ذكر ابن خلدون في كتابه الشهير “المقدمة”، أنّ الأوروبيين كانوا يختبئون عند خسوف الشمس ظنًّا منهم أن غولا قد ابتلعها. فالمنهج العلمي إذا، يفسر الوقائع باتباع الدليل ويحذف الخرافة وما لا دليل يدل عليه. وهنا تبرز أهمية المنهجية والشك والتحقق، فهذه المعاني الثلاثة التي تتمثل في صلب البحث العلمي، هي التي تنقّح المعلومات وتضعها في إطار من الواقعية والموضوعية بدلا من ضياعها في متاهات المعرفة الزائفة والتفاسير الاعتباطية، مما يقرّبها إلى الحقيقة التي يبحث عنها الإنسان.

وهنا لا بد من التمييز بين المنهج والحقيقة. فالمنهج أداة للتفسير، وهي سبيل للمعرفة، ولكن المعرفة هذه ليست بالضرورة الحقيقة. بل إن المعارف الناتجة عن المنهج العلمي في عملية تطور وتغير، إذ إنّه في مطلع القرن العشرين ظنّ علماء الفيزياء أنهم قد أتموا دراسة كل الفيزياء، حتى أتى “أينشتاين” بالنسبية الخاصة، فعلموا أن قوانين “نيوتن” المقدسة عندهم آنذاك، لم تفسر كل شيء. وهنا محل الخطورة التي أريد أن أنبّه عليها، فلا ينبغي أن تتحول وسيلة من وسائل المعرفة إلى معيار مطلق للحقيقة، فهناك فرق بين ما يمكن قياسه وما يمكن معرفته.

وإن من أكبر المخاطر التي تواجه للإنسان إن لم يكن على وعي بهذه الفروقات، هي أن يتشرب عقله هذه المناهج فيأخذها معيارا أوحدا للحقائق بحيث أنه لا يناقش إلا بها، بل منهم من لا يستطيع التفكير إلا تحت وقع هذه المناهج، مما يجعله يقدسها ويجعلها الغاية لا الوسيلة. فمن الناس من جعل قول: “طلعت الشمس” أو غيرها، قولا قادحا في قائلها، خصوصا إن وردت في نص قديم. وهذا ضرب من التقديس الفارغ. فإن الناس على مر الدهور، قد شاهدوا الشمس في حركة، وقالوا: طلعت، وذهبت، وأشرقت، وغربت، وعلى هذا، فتحديث الناس بما اعتادوا من المشاهدة والملاحظة ليس فيه مجال للقدح. ولست أرى أن يقول قائل مثل هذا القول إلا الذي قد أشرب قلبه بالتقديس. فإنّا لو قلنا ذهبت الشمس، لكان أحسن لتحديث العوام من قول أن الأرض التفت حول نفسها، لأن الأخير مستغرب عند العامة في ألفاظهم، والسابق واضح المعنى يفيد الغرض ويحقق المطلوب.

ثم إنّه لا ينبغي للإنسان أن يحدّ مجاله المعرفيّ بما يمكن قياسه والنّظر فيه بأدوات المنهج العلمي. فالأخير لا يفسّر الأشياء الميتافيزيقية، كما أنّه لا يستطيع الحكم على القيم أو الأخلاق. كلّ هذا ليس قدحا في المنهج العلمي، بل إنّه كما سبق أن ذكرنا، أداة شديدة الفعالية في تفسير ظواهر الوجود. الإشكال إنّما يحصل عندما يعجز الإنسان عن التمييز بين المنهج العلمي وهدفه وبين الحقائق، فإذا استطاع الإنسان فعل ذلك، جعل عقله متحررا من عشوائية الخرافة وتحجّر هذا المنهج فيمسي متبعا للدليل حيث وجده.

في الختام، لا ينبغي للإنسان أن يضع المهنج العلمي في موضع القداسة والتسليم المطلق له كما قد أوردت، فهذا تقديس يعميه ولا ينير بصيرته. وعلى الرغم من أن المنهج العلمي فعّال في البحث العلمي، إلا أنه لا يختزل الواقع تحت سلطته وطريقته؛ فالعقل السليم هو العقل الذي يقبل الدليل حيث وجده. أخيرا، لا بد لنا، كطلاب في الجامعة الأمريكية في بيروت، ولكل طالب في مجال علمي أيًا كان، أن يكون على إدراك ووعي بكل هذه القضايا المهمة، ففيها صيانة العقل والفكر.