أسامة مخ | محرر
تمثّل سنواتنا الحالية، المراحل الأولى لدخول البشرية عصر الذكاء الاصطناعي، وبداية تشكيل العالم وفق أنماط وسلوكيات جديدة لا نزال في طور اكتشاف ملامحها الطفولية، والتي بدأت بالتأثير على حياة الطالب الجامعي بشكل مباشر. والتجربة الأكاديمية بمجملها يُعاد إنتاجها حالياً وفق نماذج مستحدثة للذكاء الاصطناعي تمارس أدواراً معرفية وتوليدية مساعدة للنظام التعليمي برمته. حيث تُسهم هذه النماذج حالياً في تحسين الأداء التعليمي وزيادة مستوى الكفاءة وتنظيم المهام التدريسية وفق أنماط تعليمية متقدّمة وحديثة.
وتشير عدّة دراسات حديثة إلى التحوّل الذي يفرضه دخول الذكاء الاصطناعي إلى المؤسّسة التعليمية الأكاديمية، والتأثير المباشر على الطالب الجامعي، والتحدّيات المعرفية التي أنتجها هذا الدخول، فرغم الفوائد التعليمية المتحقّقة والعوائد الإيجابية لاستعمال الذكاء الاصطناعي في الفضاء الأكاديمي، إلا أن جملةً من التحدّيات المعرفية والأخلاقية الواقعية تستدعي نحواً من القراءة العلمية المتوازنة، لكي لا نغرق في ثنائية التمجيد أو التبخيس.
وفي هذه المقالة سوف أتعرض للسؤال التالي، الذي يرتبط بالطالب الجامعي وعلاقته بالذكاء الاصطناعي في السياق الأكاديمي، فهل الذكاء الاصطناعي يصبُّ في سياق تعزيز العملية التعليمية وتحقيق المساواة الأكاديمية، أم أنه نوع من التفويض المعرفي للآلة يؤدي في النهاية إلى تشكيل الجامعة من جديد وفق بنى وأنماط تعمّق الفجوات التعليمية؟
وللإجابة على هذا التساؤل سأتعرض إلى ثلاثة دراسات حديثة، تناولت قضية تأثير الذكاء الاصطناعي على الطالب الجامعي، وإن من زوايا بحثية مختلفة.
تركّز الدراسة الأولى (Vieriu & Petrea, 2025) تحت عنوان The Impact of Artificial Intelligence on Students’ Academic Development على تحليل أنماط استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الطلاب، ومحاولة تحديد المخاطر المعرفية والأخلاقية التي تواجههم. حيث تشير النتائج إلى أنّ أكثر من ٩٥٪ من الطلاب يستعملون الذكاء الاصطناعي كوسيلة ضرورية في أنشطتهم الأكاديمية، وبذلك يمكن أن يوصف بأنه أصبح عادة تعليمية خاصة بعدما أكّد أكثر من ٨٠٪ أن الذكاء الاصطناعي قد حسن من أدائهم وكفاءتهم الأكاديمية. ومن جهة أخرى تعتبر (48.2% تقريباً نصف العينة ) أن هناك قلقاً من دقة المعلومات التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي، وإمكانية الركون إلى نتائجه البحثية. وفي الخلاصة، تؤكّد المقالة أن الذكاء الاصطناعي قد تحوّل إلى واقع حقيقي له مكانته في النظام التعليمي الجامعي، لذلك، لا بد للجامعات أن تسعى إلى التعامل مع هذا الواقع بطريقة تنظيمية وليس فقط من زاوية القلق الأخلاقي المرتبط بطريقة استعماله.
فيما تركز الدراسة الثانية (Zhihao Zhang, 2023) تحت عنوان Research on the Impact of Artificial Intelligence on College Students’ Learning، على أنماط التعلّم والأداء الأكاديمي عبر اعتماد منهج دراسة مختلط ” كمي-كيفي “، حيث تظهر النتائج أن الذكاء الاصطناعي يلعب دور بارزاً حالياً في تعزيز الدافعية لدى الطلاب للتعلّم، بسبب التغذية الراجعة الفورية التي يقدمها، وهو ما يزيد من قيمة التعليم الذاتي. فإنّ متوسط ١٠٪ من درجات الطلاب قد تحسّن، بناء على وجود قدرات معرفية لدى الطالب، ولم يكن فقط بسبب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ولذلك، تعتبر الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يلعب دوراً وظيفياً في معالجة التحديات المعرفية للطالب.
بينما تمثل الدراسة الأخيرة (Rajki et al. 2025) وتحت عنوان Students’ Attitudes toward Artificial Intelligence in Higher Education مقاربة سوسيولوجية تحلّل الاختلافات والفروق التي يفرضها استخدام الذكاء الاصطناعي لجهة ” الجندر” أو نوع التعليم أو التخصص الأكاديمي. فالدراسة تشير إلى أن الذكور أكثر استخداماً فيما تعبّر الإناث عن رغبة في الاستخدام تعيقها نقص المعرفة أو الأدوات، وهو ما يمثل عقبة القدرة للوصول المتساوي بين الجنسين. ومن جهة أخرى تظهر الفروق أيضاً بين طلاب الدوام الكامل الأكثر وعياً لطريقة استعمال للذكاء الاصطناعي والاستفادة من أدواته، بينما يفضّل طلاب المراسلة استخدامه بصورة عملية ترتبط بإعداد الأبحاث والعروض. ولجهة الحقل المعرفي والتخصص، تبيّن الدراسة أنّ طلاب كليات الإنسانيات يستعملون الذكاء الاصطناعي أكثر من طلاب كليات التربية، وهو مؤشر على أن الذكاء الاصطناعي لا يدخل الجامعات بطريقة محايدة، بل هو مرتبط بالحقول المعرفية واحتياجاتها.
ولذلك، تخلص الدراسة إلى أنّ الذكاء الاصطناعي قد يعمّق الفجوات التعليمية ما لم يتمّ وضع إطار مؤسساتي عادل له.
إن سطحية المعرفة والاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التحليل والتفسير سوف يقود إلى تراجع التفكير النقدي لدى الطالب، وهو ما سوف يدفع باتجاه نماذج من التفويض المعرفي له، حيث لا يعود الطالب بحاجة إلى ممارسة التفكير أو التحليل، وهو ما سينعكس بشكل مباشرة على المساواة التعليمية ويعمّق الفجوة المعرفية بين الاختصاصات و” الجندر “.
في المقابل، يتحتّم على الجامعة أن تعتمد جملة من الخيارات الضرورية :
- اعتماد مقررات لمحو أمية الذكاء الاصطناعي
- تعميم المقررات لكل الطلاب، التخصصات والأنماط التعليمية
- الحد من التفويض المعرفي عبر التركيز على التحليل والنقد
- اعتماد الشفافية والتصريح عن استعمال الذكاء الاصطناعي ومقدار ذلك
في الختام، الذكاء الاصطناعي لن يكون المخلص للطالب الجامعي ولا الخطر الوجودي على النظام التعليمي، بل هو عبارة عن تقنية حديثة تفرض على الجميع تحولات حقيقية وجذرية في بناها المعرفية والخدمية. وطالما أن الذكاء الاصطناعي قادر على دعم وتعزيز العملية التعليمية، يجب على الجامعة إيجاد الإطار الأكاديمي المناسب له، ومع توقعاته المستقبلية.
